مقالات

دكتور مينا فاروق يكتب: وداعة الإيمان وحراسة العقيدة

ليست العقيدة في الفكر الأرثوذكسي مجرد قوالب جامدة أو فلسفة نظرية يتدارسها العقل، بل هي حياة تُعاش وشعورٌ بالحضور الإلهي في قلب الكنيسة. إن كلمة عقيدة تشير لاهوتياً إلى الحقائق الإلهية المعلنة من الله للإنسان، والتي تسلمتها الكنيسة عبر الأجيال لتكون دستور خلاصها ومحور عبادتها، فإن العقيدة الأرثوذكسية تشكل البنية الأساسية للعبادة والسلوك المسيحي، فلا فصل بين الإيمان والتعليم.

أولاً: لماذا ندرس العقيدة؟ (أهمية وأهداف الدراسة العقيدية)


تتعدد الأسباب التي تجعل من دراسة اللاهوت العقيدي ضرورة كنسية ورعوية وليست مجرد رفاهية أكاديمية، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

١- تثبيت الإيمان الخلاصي


إن المعرفة العقيدية المترسخة على أرضية الكتاب المقدس تمنح المؤمن ثباتاً روحياً، فتجعله غير متزعزع أمام رياح التعاليم الغريبة، تحقيقاً لقول القديس بولس الرسول: «لكي لا نكون فيما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم» (أفسس 4: 14).

٢- الدفاع عن الإيمان (اللاهوت الدفاعي)


يلتزم الخادم والمؤمن بتقديم إجابات مستنيرة تقوم على محبة وحق، كما أوصى القديس بطرس: «مستعدين دائماً لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم، بوداعة وخوف» (1 بطرس 3: 15).

٣- سلامة العبادة والطقس (قانون الصلاة هو قانون الإيمان)


العبادة القبطية الأرثوذكسية هي عقيدة مصلاة؛ فالإفخارستيا والتسبحة والألحان تجسد الإيمان المستقيم. دراسة العقيدة تكشف العُمق اللاهوتي المصاغ في صلوات الأجبية والقداسات الإلهية.

٤- النمو في الشركة مع الله


إن التعرف على طبيعة الله، وحقيقة التجسد الإلهي، والعمق الخلاصي للصلب والقيامة يفتح آفاق الحب الإلهي في قلب المؤمن، فاللاهوت السليم يقود إلى سجود روحي صادق.
يقول القديس أثناسيوس الرسولي: «الإيمان هو نور النفس، وهو السراج الذي يضيء العقل ليعاين أمور الله».

ثانياً: مصادر العقيدة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية


تستند الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في صياغة واستعلان عقائدها إلى نبع إلهي واحد هو «الإعلان الإلهي»، والذي يتجلى في عدة مصادر متكاملة لا تنفصل:

١- الكتاب المقدس


هو المصدر الأول والأعلى لكل عقيدة كنسية. الكنيسة لا تستحدث عقيدة من خارج أسفار العهدين القديم والجديد، بل تشرح ما هو مدون فيها بذات روح الوحي الإلهي. فإن الأسفار المقدسة هي القاعدة المرجعية التي تُقاس عليها صحة التعاليم.

٢- التقليد الرسولي المقدس


التقليد ليس مجرد عادات أو ممارسات شعبية، بل هو الحفاظ الحي على الإيمان الذي أودعه المسيح للرسل، ونقله الرسل للتلاميذ بالروح القدس: «تمسكوا بالتعاليم التي تعلمتموها، سواء كان بالكلام أم برسالتنا» (2 تسالونيكي 2: 15).
يشمل التقليد القوانين الرسولية، الصلوات الليتورجية، وقوانين المجامع.

٣- المجامع المسكونية والمحلية


تعتمد الكنيسة القبطية قرارات المجامع المسكونية الثلاثة الأولى (نيقية 325م، القسطنطينية 381م، أفسس 431م)، والتي وضع فيها الآباء قوانين الإيمان وحسموا بدع أريوس ومقدونيوس ونسطور، إضافة إلى قرارات المجامع المكانية المعتمدة.

٤- كتابات وأقوال الآباء


تُمثل كتابات آباء الكنيسة الأوائل (مثل القديس أثناسيوس الرسولي، القديس كيرلس الكبير، والقديس باسيليوس) مرجعاً أساسياً في فهم وتفسير العقيدة بروح الكنيسة الأولى وبدون انحرافات ذاتية.

٥- الصلوات الليتورجية والطقس الكنسي


تعتبر صلوات القداسات الإلهية (الباسيلي، الغريغوري، الكيرلسي) والتسبحة اليومية حارساً أميناً للعقيدة، حيث تحفظ المبادئ اللاهوتية العميقة وترددها على ألسنة المؤمنين يومياً.

ثالثاً: بين التقليد المكتوب والتقليد الشفاهي


إن فهم مفهوم التقليد في الفكر الأرثوذكسي يتطلب استيعاب التكامل الكامل بين ما هو مدون ومكتوب، وما هو مسلَّم شفاهياً وعملياً داخل الكنيسة، فالإثنان ينبعان من روح واحد ولا يناقض أحدهما الآخر.

١- طبيعة ومفهوم كل منهما

التقليد المكتوب


يُقصد به الإعلان الإلهي الذي صُيغ في نصوص مدونة ومعتمدة من الكنيسة. ويأتي على رأسه أسفار الكتاب المقدس بعهده القديم والجديد، إضافة إلى القوانين المكتوبة الصادرة عن المجامع المسكونية، والصلوات الليتورجية المدونة في الخولاجي والأجبية والإبصلمودية، وكتابات الآباء المعترف بهم.

التقليد الشفاهي


هو التسليم الحي الذي نُقل بالكلمة والعمل والممارسة قبل تسجيل النصوص وبعدها. هو طريقة الحياة الإيمانية، وشرح الأسفار، وكيفية ممارسة السرائر المقدسة، وتسليم الطقوس والتسبيح من جيل إلى جيل عبر الخبرة المعاشة والتعليم المباشر.

٢- الأسبقية التاريخية والعلاقة بينهما


تاريخياً، سبق التقليد الشفاهي التقليد المكتوب. فالسيد المسيح لم يكتب كتاباً، بل سلم الرسل إيماناً وحياة، والرسل كرزوا وعلموا سنوات طويلة شفاهياً قبل كتابة أناجيلهم ورسائلهم. إلا أن هذا لا يعني تفضيل أحدهما على الآخر؛ فالكتاب المقدس هو ثمرة ناضجة للتقليد الحي، والتقليد الشفاهي هو البيئة الروحية التي كُتب فيها الكتاب ويُفهم داخلها بشكله الصحيح.

٣- التكامل والغرض


التقليد المكتوب يمثل المرجع الثابت والحدود الحارسة للإيمان لمنع أي تحريف أو شطط فكري مع مرور الزمن. بينما يمثل التقليد الشفاهي الروح والخبرة الحية التي تفسر هذا المكتوب وتجعله حياً في سلوك المؤمنين وعبادتهم. فإن المكتوب يحفظ الشفاهي من الانحراف، والشفاهي يحيي المكتوب وينقله كممارسة حية لا مجرد حرف ناطق.
إن دراسة العقيدة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ليست مجرد تجميع لمعارف تاريخية، بل هي رحلة دخول في سر الإيمان الحي. إنها الحصن الذي يحفظ الفكر من الانحراف، والجسد الحاضن للروحانية الصادقة. وكما عبر آباء الكنيسة، فإن اللاهوتي الحقيقي ليس من يحفظ النظريات، بل من يصلي بالروح والحق، ليبقى إيماننا مستقيماً وممتداً من عصر الرسل حتى منتهى الأجيال.

إعداد: الإبذياكون الإكليريكي د. مينا فاروق

الدبلوم العالي في اللاهوت العقيدي